مجموعة مؤلفين
122
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
الشيخ أبو مدين بمثابة المنوّم أو الرائي بوضوح clairvoyant إذا أردنا أن نفسرها تفسيرا شبه علمي . أما عند ابن عربى فهي ظاهرة خارقة من ظواهر الكشف الممنوح للصوفى العظيم ، فإن المحقّق من الصوفية يرى بكل قوة ، كما يسمع بكل قوة ويشم بكل قوة . وكما قال في « مواقع النجوم » إن الفراسة نوعان : رئيسية ، ودون ذلك . والرئيسية هي التي يختص بها المحققون من الصوفية ، وتفسيرها أن الحكيم الواصل إلى عين الوجود والحقيقة يمشى على منازل نفسه وكمالاتها منزلا منزلا وحالا حالا على الترتيب الحكمي الإلهى حتى يعرف المنازل كلها من طريق مقامات ، فإذا تخلّق بهذه المرتبة وعرف تأثيرات المنازل « صحّت له الرياسة المكتملة ؛ فصاحب هذا المقام إذا رآى شخصا في الوجود ، فلا بد أن يكون متحركا أو ساكنا بأىّ نوع كان من الحركات من لسان أو يد أو غير ذلك ، فيعرف من ذلك منزلة ذلك الشخص « 1 » » . ويروى ابن عربى حكاية أخرى عن ظاهرة الإيحاء المغناطيسى هذا في « مواقع النجوم » ( ص 116 - ص 117 ) عن أبي مدين أيضا ، ولكن الظاهرة وقعت عليه هو من جانب فتى صالح كان يعبد اللّه في الجبال . فقد كان أبو مدين في سياحة ودخل عند عجوز في مغارة « فقعد عندها حتى وصل ابن لها كان يعبد اللّه في تلك الجبال . فدخل وسلّم على الشيخ أبى مدين - رضوان اللّه عليه - فقدمت العجوز سفرة فيها صحن وخبز . فقعد الشيخ والفتى يأكلان . فقال الشيخ ( أي أبو مدين ) : تمنيت لو كان كذا - وكان خاطر ذلك في نفسه . فقال له الفتى : كل باسم اللّه يا سيدنا وكل ما شئت . فسميّت اللّه وأكلت ، فإذا به طعم ما تمنيت . فلم أزل أقصد التمني وهو يقول مثل مقالته الأولى ، وأنا أجد الطعام ما تمنيت ؛ وكان الشاب صغيرا » . وفي هذه الحكاية توكيد لاهتمام أبى مدين بالإيحاء التنويمى الذي يؤدى
--> ( 1 ) « مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم » ص 71 . القاهرة سنة 1907 م .